أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

320

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

في الضمير الذي في « كانَتْ » من قوله « وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً » على أنّ « كان » تامة . والوجه الآخر : أن يكون « فَوْقَ اثْنَتَيْنِ » خبرا ثانيا ل « كُنَّ » ، وردّهما عليه الشيخ « 1 » : أمّا الأول فلأنّ « كان » ليست من الأفعال التي يكون فاعلها مضمرا يفسّره ما بعده ، بل هذا مختصّ من الأفعال ب « نعم » و « بئس » وما جرى مجراهما ، وباب التنازع عند إعمال الثاني . وأما الثاني فلما تقدّم من الاحتياج إلى هذه الصفة ؛ لأنّ الخبر لا بدّ أن تستقلّ به فائدة الإسناد ، وقد تقدّم أنه لو اقتصر على قوله : « فَإِنْ كُنَّ نِساءً » لم يفد شيئا ، لأنه معلوم . وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة « 2 » : « ثلثا » و « الثلث » و « النصف و « الرّبع » و « الثّمن » كلّ ذلك بإسكان الوسط . والجمهور بالضم ، وهي لغة الحجاز وبني أسد . قال النحاس : « من الثلث إلى العشر » . وقال الزجاج : « هي لغة واحدة ، والسكون تخفيف » . قوله : وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً قرأ نافع . « واحدة » رفعا على أنّ « كان » تامة أي : وإن وجدت واحدة ، والباقون « واحِدَةً » نصبا على أنّ « كانَتْ » ناقصة ، واسمها مستتر فيها يعود على الوارثة أو المتروكة ، و « واحِدَةً » نصب على خبر « كان » ، وقد تقدّم أن الزمخشري أحاز أن يكون في « كان » ضمير مبهم مفسّر بالمنصوب بعد . وقرأ السلمي : « النّصف » بضم النون ، وهي قراءة علي وزيد بن ثابت رضي اللّه عنهما ، وقد تقدّم شيء من ذلك في البقرة في قوله : « فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ » « 3 » . قوله : وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ « السُّدُسُ » مبتدأ و « لِأَبَوَيْهِ » خبر مقدم ، و « لِكُلِّ واحِدٍ » بدل من « لِأَبَوَيْهِ » وهذا ما نصّ عليه الزمخشري فإنه قال : « لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا » بدل من « لِأَبَوَيْهِ » بتكرير العامل ، وفائدة هذا البدل أنه لو قيل : « ولأبويه السدس » لكان ظاهره اشتراكهما فيه ، ولو قيل : « لأبويه السدسان » لأوهم قسمة السدسين عليهما بالتسوية وعلى خلافهما . فإن قلت : فهلا قيل : « ولكلّ واحد من أبويه السدس » وأيّ فائدة في ذكر الأبوين أولا ثم في الإبدال منهما ؟ قلت : لأنّ في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيدا وتشديدا كالذي تراه في الجمع بين المفسّر والتفسير . و « السُّدُسُ » مبتدأ ، وخبره « لِأَبَوَيْهِ » ، والبدل متوسط بينهما للبيان » . انتهى . وناقشه الشيخ « 4 » في جعله « لِأَبَوَيْهِ » الخبر دون قوله « بكلّ واحد » قال : « لأنه ينبغي أن يكون البدل هو الخبر دون المبدل منع » يعني أنّ البدل هو المعتمد عليه ، والمبدل منه صار في حكم المطّرح ، ونظّره بقولك : « إنّ زيدا عينه حسنة » فكما أنّ « حسنة » خبر عن « عينه » دون « زيد » لأنّه في حكم المطّرح فكذلك هذا ، ونظّره أيضا بقولك : « أبواك كلّ واحد منهما يصنع كذا » ف « يصنع » خبر عن « كل واحد » منهما ، ولو قلت : « أبواك كلّ واحد منهما يصنعان كذا » لم يجز » . وفي هذه المناقشة نظر ، لأنه إذا قيل لك : ما محلّ « لِأَبَوَيْهِ » من الإعراب ؟ نضطر إلى أن نقول : في محلّ رفع خبرا مقدما ، ولكنه نقل نسبة الخبرية إلى « لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا » دون « لِأَبَوَيْهِ » . قال : « وقال بعضهم » : « السُّدُسُ » رفع

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 182 ) . ( 2 ) نعيم بن ميسرة أبو عمرو الكوفي النحوي ثقة توفي سنة 174 ، انظر غاية النهاية 2 / 342 . ( 3 ) آية رقم ( 237 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 183 ) .